الحضارة التي اختبأت في أعماق كابادوكيا

.

تحت المنازل والشوارع الهادئة في منطقة كابادوكيا التركية، توجد ممرات ضيقة تقود إلى عالم لا تصله أشعة الشمس. عالم محفور داخل الصخور، يضم غرفًا ومخازن وآبارًا وكنائس وممرات دفاعية تمتد عشرات الأمتار في باطن الأرض.

إنها مدينة ديرينكويو، واحدة من أعقد المدن الجوفية التي تركها سكان الأناضول القدماء خلفهم. لم تكن مجرد مجموعة من الكهوف التي استُخدمت للاختباء المؤقت، بل مستوطنة متكاملة صُممت كي يتمكن عدد كبير من البشر من الحياة تحت الأرض عندما يصبح البقاء فوقها خطرًا.

فمن بنى هذه المدينة؟ وكيف استطاع سكانها التنفس والحصول على الماء؟ وما الخطر الذي أجبرهم على ترك ضوء النهار والاختباء في أعماق الأرض؟

مدينة كاملة خلف جدار منزل

تروي القصة الشائعة أن أحد سكان بلدة ديرينكويو كان يجري تعديلات داخل منزله خلال ستينيات القرن العشرين، عندما عثر خلف أحد الجدران على فتحة غريبة. لم تكن الفتحة مخزنًا صغيرًا أو قبوًا مهجورًا، بل كانت مدخلًا إلى شبكة واسعة من الأنفاق والغرف المحفورة داخل الصخور.

ومع اتساع أعمال الاستكشاف، اتضح أن الأنفاق لا تنتهي بعد عدة أمتار، وإنما تهبط إلى مستويات متتابعة تحت الأرض. وفي منتصف الستينيات فُتح جزء من المدينة أمام الزوار، لكن القسم الذي يمكن دخوله اليوم لا يمثل سوى جزء محدود من المساحة الكاملة التي ما زالت أجزاء منها غير متاحة للاستكشاف العام. وتشير وزارة الثقافة والسياحة التركية إلى أن عمق ديرينكويو يصل إلى نحو 85 مترًا، وأن ما يقارب عشرة في المئة فقط منها متاح للزيارة.

لكن من المهم الانتباه إلى أن المدينة لم تكن مفقودة تمامًا من ذاكرة السكان المحليين. فقد كانت بعض مداخلها وآبارها وغرفها معروفة لأهالي المنطقة، بينما أدت عمليات التنقيب والتنظيف الحديثة إلى كشف حجمها الحقيقي وتحويلها إلى موقع أثري معروف عالميًا.

لماذا كانت الصخور مناسبة لبناء مدينة تحت الأرض؟

تقع ديرينكويو في إقليم كابادوكيا وسط تركيا، وهي منطقة تشكلت طبيعتها الجيولوجية بفعل النشاط البركاني القديم. غطت المواد البركانية مساحات واسعة من الأرض، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى طبقات من الصخور البركانية اللينة نسبيًا، المعروفة باسم الطف البركاني.

كانت هذه الصخور متماسكة بما يكفي للحفاظ على الغرف والممرات، لكنها في الوقت نفسه قابلة للحفر باستخدام الأدوات القديمة. ولهذا لم يكتف سكان كابادوكيا ببناء مساكنهم فوق الأرض، بل حفروا البيوت والمخازن والكنائس والأديرة داخل الجبال وتحتها.

وتضم منطقة كابادوكيا عددًا كبيرًا من المستوطنات الجوفية المختلفة في الحجم، وتقدّر المصادر الرسمية التركية عددها بما يتراوح بين 150 و200 مستوطنة صخرية تحت الأرض. وتُعد ديرينكويو من أشهر هذه المدن وأكثرها عمقًا وتعقيدًا.

من بنى مدينة ديرينكويو؟

لا توجد إجابة قاطعة تحدد شعبًا واحدًا بنى المدينة كاملة في فترة زمنية محددة. ويرجع ذلك إلى أن ديرينكويو لم تُحفر على الأرجح في مرحلة واحدة، وإنما توسعت وتغيرت على أيدي جماعات متعددة عاشت في المنطقة عبر قرون طويلة.

ترى بعض الروايات أن جذور الاستيطان في المنطقة قد تعود إلى حضارات الأناضول القديمة أو إلى فترة المستعمرات الآشورية. بينما تربط مصادر أخرى التوسع الأكبر للمدينة بالجماعات المسيحية التي احتاجت إلى أماكن محمية خلال فترات الاضطهاد والغزوات.

وتذكر وزارة الثقافة والسياحة التركية أن المدينة شُيدت بوصفها موقعًا للدفاع والاختباء خلال فترة انتشار المسيحية، وتقدّر أن صورتها المعمارية الرئيسية تعود إلى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. أما منظمة اليونسكو فتشير إلى أن التجمعات المسيحية في كابادوكيا بدأت باستخدام المساكن المحفورة في الصخور منذ القرن الرابع، وأن المدن الجوفية مثل ديرينكويو استُخدمت لاحقًا ملاجئ خلال فترات الغزوات العربية البيزنطية.

الأقرب إلى الواقع أن أصول بعض الممرات والغرف قديمة، ثم أعادت الجماعات اللاحقة توسيعها وربطها وإضافة المنشآت الدينية والدفاعية إليها. ولهذا تبدو ديرينكويو وكأنها مدينة بنتها طبقات متعاقبة من التاريخ، لا حضارة واحدة فقط.

كيف كانت الحياة داخل المدينة؟

عند النزول إلى ديرينكويو، يتغير شكل المكان تدريجيًا. يصبح الهواء أكثر برودة، وتضيق الممرات، وتختفي أصوات العالم الخارجي. وعلى جانبي الأنفاق تظهر غرف مختلفة الأحجام، لكل منها وظيفة محددة.

كانت الطوابق القريبة من السطح تُستخدم غالبًا لإيواء الحيوانات. وكان وضع الإسطبلات في المستويات العليا قرارًا عمليًا، لأن نقل الأبقار والخيول والماشية عبر الأنفاق الضيقة إلى الطوابق العميقة سيكون أمرًا بالغ الصعوبة.

وفي المستويات الأخرى وُجدت غرف لتخزين الحبوب والطعام، وأماكن لصناعة النبيذ ودبس العنب، ومطابخ جماعية، وقاعات للطعام والاجتماعات. كما تضم المدينة كنائس ومساحات دينية ومدرسة تبشيرية وأماكن ارتبطت بممارسة الشعائر المسيحية.

لم تكن كل عائلة تمتلك مطبخًا مستقلًا. ويبدو من عدد المطابخ وطريقة توزيعها أن بعض المرافق كانت تُستخدم بصورة جماعية، ما يشير إلى وجود نظام اجتماعي ينظم الطعام والتخزين والحراسة وتوزيع المساحات.

كانت الحياة في الداخل بلا شك صعبة. الإضاءة اعتمدت على المصابيح الزيتية، والحركة تمت عبر ممرات منخفضة وضيقة، بينما كان الدخان والرطوبة والازدحام يمثل تحديًا دائمًا. ومع ذلك، لم تُصمم المدينة لتكون مكانًا مريحًا، بل لتكون مكانًا آمنًا يبقي سكانها على قيد الحياة حتى يزول الخطر في الخارج.

كيف تنفس السكان تحت الأرض؟

من أكثر أجزاء ديرينكويو إثارة شبكة التهوية التي سمحت بوصول الهواء إلى المستويات العميقة. تضم المدينة فتحات رأسية متصلة بالغرف والممرات، ساعدت على تحريك الهواء وتقليل الاختناق الناتج عن وجود البشر والحيوانات والمصابيح المشتعلة.

ويصل عمق إحدى فتحات التهوية الرئيسية إلى نحو 55 مترًا، وقد استُخدم جزء منها كذلك بئرًا للمياه. ساعد هذا التصميم السكان على الحصول على الماء من داخل المدينة، دون الاضطرار إلى الخروج أو الاعتماد الكامل على مصادر مكشوفة يمكن للأعداء السيطرة عليها أو تسميمها.

ولا يعني وجود هذه الأنظمة أن السكان عاشوا بصورة دائمة في أعمق أجزاء المدينة. الأرجح أن ديرينكويو كانت تُستخدم ملجأً خلال أوقات الخطر، بينما كانت الحياة الطبيعية والزراعة وتربية الحيوانات تتم فوق الأرض عندما تسمح الظروف بذلك.

أبواب حجرية يصعب اقتحامها

لم تعتمد حماية المدينة على إخفاء مداخلها فقط. فقد زُودت بعض الممرات بأبواب حجرية دائرية ضخمة، تشبه أحجار الرحى، يمكن دحرجتها من الداخل لإغلاق الطريق.

عند إغلاق الباب، يتحول الممر إلى حاجز يصعب على المهاجمين دفعه من الجهة الأخرى. وكانت بعض الأبواب تحتوي على فتحات صغيرة قد تُستخدم للمراقبة أو الدفاع.

أما ضيق الأنفاق وانخفاض سقوفها، فلم يكونا نتيجة ضعف في البناء بالضرورة. فقد منح هذا التصميم المدافعين أفضلية واضحة؛ إذ لا يستطيع المهاجمون التقدم في مجموعات كبيرة أو استخدام أسلحتهم بسهولة. وكان عليهم المرور واحدًا تلو الآخر في ممرات يعرفها السكان جيدًا، بينما يجهلون ما ينتظرهم في الجهة المقابلة.

وتؤكد المصادر الرسمية وجود أحجار أسطوانية كبيرة عند مداخل بعض الأنفاق، استُخدمت لإغلاق الممرات عند التعرض للخطر.

كم شخصًا عاش في ديرينكويو؟

تنتشر تقديرات تزعم أن المدينة استطاعت إيواء نحو عشرين ألف شخص مع حيواناتهم ومؤنهم. إلا أن هذا الرقم يصعب إثباته بدقة، لأن جزءًا كبيرًا من المدينة لم يُدرس أو يُفتح بالكامل، كما أن عدد السكان كان يتغير وفق مدة الاختباء والظروف المحيطة.

لكن تصميم ديرينكويو يؤكد أنها أُعدت لاستقبال مجتمع كبير، وليس عائلة أو مجموعة صغيرة. فوجود الإسطبلات والمخازن والمطابخ والآبار والكنائس وقاعات الاجتماع يدل على تخطيط يسمح لمئات أو ربما آلاف الأشخاص بالبقاء في الداخل لفترة من الزمن.

القيمة الحقيقية للمدينة لا تكمن في رقم السكان وحده، بل في قدرتها على توفير مقومات البقاء الأساسية داخل بيئة مغلقة: الهواء والماء والطعام والحماية والتنظيم الاجتماعي.

هل كانت ديرينكويو متصلة بمدن أخرى؟

توجد روايات تتحدث عن ممر طويل يربط ديرينكويو بمدينة كايماكلي الجوفية القريبة، التي تبعد عدة كيلومترات. ورغم اكتشاف أنفاق ممتدة في المنطقة، فإن فكرة وجود طريق كامل صالح للعبور بين المدينتين ما زالت بحاجة إلى إثبات أثري واضح وشامل.

انتشار هذه الرواية مفهوم؛ فكابادوكيا تضم شبكة واسعة من المساكن والمخازن والكنائس والمدن المحفورة في الصخور. وربما ارتبطت بعض المنشآت ببعضها عبر ممرات قصيرة أو طويلة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود شبكة واحدة تربط جميع المدن الجوفية في الإقليم.

ولهذا ينبغي التعامل بحذر مع الخرائط والمقاطع المنتشرة التي تصور كابادوكيا وكأنها مملكة جوفية واحدة مترابطة بالكامل. الواقع المكتشف مدهش بما يكفي، ولا يحتاج إلى إضافة تفاصيل لم تُثبت بعد.

مدينة للحماية وليست حضارة مجهولة

تحيط بديرينكويو نظريات كثيرة، منها أنها بُنيت لمواجهة كارثة عالمية أو حرب نووية قديمة، أو أن كائنات مجهولة ساهمت في تشييدها. لكن لا توجد أدلة أثرية موثوقة تدعم هذه الأفكار.

لا يتطلب بناء المدينة تقنيات خارقة للطبيعة. فقد كانت الصخور قابلة للحفر، والعمل استمر على الأرجح عبر أجيال، بينما أضاف كل مجتمع غرفًا وممرات تناسب احتياجاته.

الإنجاز الحقيقي أكثر إثارة من النظريات الخيالية. فقد تمكن أناس عاشوا بأدوات بسيطة من فهم طبيعة الصخور وحركة الهواء ومصادر المياه، ثم حولوا باطن الأرض إلى نظام دفاعي متكامل.

ديرينكويو ضمن تراث كابادوكيا العالمي

أُدرج متنزه غوريم والمواقع الصخرية في كابادوكيا على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1985. وتشمل المنطقة المسجلة المدن الجوفية في كايماكلي وديرينكويو، إلى جانب الكنائس والمستوطنات والمواقع الصخرية المنتشرة في الإقليم.

ولا تنظر اليونسكو إلى هذه المواقع باعتبارها أنفاقًا غريبة فحسب، بل تراها جزءًا من مشهد ثقافي واسع يكشف قدرة الإنسان على التكيف مع الطبيعة، وتحويل الصخور البركانية إلى مساكن وأماكن عبادة وملاجئ دفاعية.

السر الحقيقي لمدينة ديرينكويو

ربما لن نعرف أبدًا اسم الشخص الذي حفر أول غرفة تحت ديرينكويو، أو اللحظة التي قرر فيها السكان تحويل المخبأ الصغير إلى مدينة متعددة المستويات.

لكن ما نعرفه أن الخوف كان أحد المهندسين الرئيسيين لهذا المكان.

عندما أصبحت الطرق غير آمنة، وعندما اقتربت الجيوش والغزاة من القرى، لم يكن السكان قادرين دائمًا على المقاومة أو الهرب لمسافات بعيدة. فاختاروا طريقًا ثالثًا: الاختفاء تحت أقدام العدو.

فوق الأرض، قد تبدو القرية مهجورة، ولا يظهر ما يدل على وجود حياة. أما في الأسفل، فكانت العائلات تجتمع داخل الغرف، والحراس يراقبون المداخل، والحيوانات تستقر في الإسطبلات، والهواء يهبط عبر الفتحات الطويلة، بينما تُغلق الأبواب الحجرية في انتظار انتهاء الخطر.

ديرينكويو ليست دليلًا على حضارة خارقة اختفت دون أثر، بل شاهد على قدرة الإنسان على البقاء. مدينة لم تُبنَ لاستعراض القوة أو الثراء، وإنما لتحقيق غاية واحدة شديدة البساطة والتعقيد في آن واحد: النجاة.

أسئلة شائعة عن مدينة ديرينكويو

أين تقع مدينة ديرينكويو؟

تقع في ولاية نوشهير ضمن منطقة كابادوكيا وسط تركيا، على مسافة تقارب 30 كيلومترًا من مدينة نوشهير.

ما عمق مدينة ديرينكويو؟

يبلغ عمقها نحو 85 مترًا تحت سطح الأرض، وتتكون من مستويات متعددة تضم غرفًا وأنفاقًا ومنشآت مختلفة.

لماذا بُنيت المدينة تحت الأرض؟

استُخدمت بوصفها ملجأً دفاعيًا يتيح للسكان الاختباء خلال فترات الغزو والاضطهاد والاضطرابات العسكرية.

هل عاش السكان فيها طوال حياتهم؟

لا يوجد دليل على أن جميع سكانها عاشوا فيها بصورة دائمة. الأرجح أنها استُخدمت خلال حالات الخطر، مع استخدام بعض غرفها للتخزين والعمل في الأوقات الطبيعية.

هل يمكن زيارة ديرينكويو اليوم؟

نعم، يمكن زيارة أجزاء محددة من المدينة، لكن معظم مساحتها غير مفتوح أمام الجمهور.


الكاتب: فريق سراديب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top